هل تتحول منظمة الدول التركية من الرؤية المثالية المتخذة من أنقرة مركزاً لها إلى رؤية علمانية محورها إسرائيل وأذربيجان؟

مصطفى أوزباي / خبير اقتصادي – مدير المالية الرئيسي – كاتب
إن أزمة الحجاب التي ظهرت على السطح مؤخراً في العلاقات التركية الأذربيجانية، والرسائل التي يُعتقد أنها أُرسلت من باكو إلى أنقرة والتي مفادها "لا تتدخلوا في سياساتنا التعليمية وشؤوننا الداخلية"، وما تلاها من تقييمات متبادلة حادة، ليست حادثة دبلوماسية عادية أو نقاشاً أيديولوجياً عابراً. بالنظر إلى الصورة كاملة، أعتقد أن هناك صراعاً خفياً يدور حول مستقبل منظمة الدول التركية (TDT) بين رؤية مثالية مركزها أنقرة ورؤية براغماتية محورها إسرائيل وباكو.
إن استمرار الوفد الأذربيجاني في الجلوس بمقعده في الجمعية العامة للأمم المتحدة بينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يعتلي المنصة ومغادرة عشرات الدول للقاعة، واستمرار إلهام علييف في اتصالاته مع الإدارة الإسرائيلية وروابط الطاقة والتجارة الحرجة، يظهر أن هذه الصورة لم تكن مصادفة. فقد قامت باكو، بعد مضي فترة معينة على نصر قراباغ، بوضع مسافة بينها وبين أنقرة لتُعمق اتصالاتها الثنائية مع جهات فاعلة في آسيا الوسطى مثل أوزبكستان وكازاخستان، ودخلت في مساعٍ لرسم إطار جديد للعالم التركي مندمج مع إسرائيل والنظام العالمي.
1. من قراباغ إلى استراتيجية تل أبيب: البحث عن "الوصي الظل"
أثبتت تركيا قوتها الإقليمية من خلال دعمها العسكري والدبلوماسي اللامتناهي لأذربيجان في قراباغ وعززت مكانتها كـ "مؤسس طبيعي" للعالم التركي. غير أنه بعد تحقيق النصر، لم ترغب باكو في إبقاء هندستها الأمنية والسياسية الخارجية في محور أنقرة وحدها.
عمّقت إدارة باكو شراكتها الاستراتيجية مع تل أبيب من خلال تقنيات الدفاع، وتبادل الاستخبارات، وتجارة النفط المتدفقة إلى إسرائيل عبر جيهان. ولم تصبح إسرائيل مجرد مورّد أسلحة لأذربيجان، بل تحولت إلى مظلة واقية أمام التمويل العالمي الغربي واللوبيات. وقد منح هذا الوضع باكو مساحة للمناورة في سياسة العالم التركي بشكل مستقل عن أنقرة.
2. إطار الوحدة التركية الجديد الذي يُحاول رسمه رغم أنف أنقرة
كان اتحاد الدول التركية الذي يحلم به الرئيس أردوغان يهدف إلى أن يكون مركز قوة مستقلاً معادياً للصهيونية، ومعادياً للإمبريالية، وواقعاً في التوازن بين الشرق والغرب. غير أنه من وجهة نظر تل أبيب والاستراتيجيين الغربيين، بدأ يُنظر إلى الكتلة التركية القوية التي تقودها تركيا والتي تتحرك بالتزامن مع العالم الإسلامي كعنصر تهديد كبير.
وهنا بالذات يقدم التعاون بين إسرائيل وأذربيجان إطاراً دبلوماسياً جديداً:
المحور العلماني والبراغماتي: يتم تعزيز الانعكاسات في الجمهوريات التركية بآسيا الوسطى (أوزبكستان، كازاخستان) التي تعطي الأولوية لهيكل الدولة العلماني/اللائيكي والاستقرار الاقتصادي بدلاً من الخطابات المحافظة أو الإسلامية السياسية من قبل باكو.
إقصاء أنقرة عن الإطار: يُراد تحويل نقطة الثقل الإدارية والفكرية لمنظمة الدول التركية بعيداً عن خطابات أنقرة الطموحة/التدخلية نحو خط باكو – آسيا الوسطى الذي لا توجد عوائق تجارية له مع تل أبيب والغرب.
إن رد الفعل الحاد الذي أبدته باكو عبر أزمة الحجاب هو في الواقع حظر صريح مفروض على تصدير النموذج الاجتماعي-السياسي لتركيا إلى العالم التركي.
3. إلى أين تتطور الهندسة الجديدة؟
يبدو أن إلهام علييف، متسلحاً بدعم الاستخبارات والتكنولوجيا واللوبي العالمي الإسرائيلي، يستعد ليصبح صانع الألعاب الجيوسياسي الجديد للعالم التركي. وفي إطار "الوحدة التركية الجديدة" المصممة بدعم إسرائيلي:
جنى الدعم العسكري الذي قدمته تركيا في قراباغ ثماره، لكن يُحاول إبعاد أنقرة عن أن تكون المقرر الوحيد للقرارات.
يُحاول عمداً إبعاد سياسة أردوغان الخارجية المرتكزة على "العدالة العالمية" وفلسطين عن أن تكون أجندة مشتركة للعالم التركي.
تسعى باكو لتحويل العالم التركي إلى ممر طاقة وتجارة براغماتي لا يتعارض مع تل أبيب ونظام العولمة الغربي، بل يعمل بتوافق تام مع هذه القوى.
الختيجة
السؤال هو: هل ستتقبل تركيا -على الرغم من هندستها العسكرية والدبلوماسية في نصر قراباغ- فقدان القيادة الأيديولوجية والسياسية للوحدة التركية التي هي مؤسستها لمصلحة محور باكو البراغماتي المدعوم إسرائيلياً؟ أم أنها ستقوم بتحركات تجعل ثقلها محسوساً مرة أخرى على الطاولة في مواجهة هذا التحول الهادئ في القوة داخل العالم التركي؟
آخر تحديث للمحتوى: 14.10.2026 09:49
تابع هذا الملف
إبلاغ عن تصحيح
لإرسال سؤال أو تصحيح، سجّل الدخول. إذا لم يكن لديك حساب، يمكنك التقديم عبر غرفة الأخبار.
لطرح أسئلة حول هذا الخبر، سجّل الدخول.
تستخدم القراءة الصوتية الأصوات المتاحة على جهازك.
شارك هذا المقال
مشاركة واحدة تساعد على إيصال الخبر إلى مزيد من الناس.

هل تتحول منظمة الدول التركية من الرؤية المثالية المتخذة من أنقرة مركزاً لها إلى رؤية علمانية محورها إسرائيل وأذربيجان؟
مصطفى أوزباي / خبير اقتصادي - مدير المالية الرئيسي - كاتب
freenews.tr · Mustafa Özbay /Ekonomist-CFO-Yazarبالنسبة إلى تيك توك ويوتيوب وسناب شات وغيرها، انسخ النص وأضف الصورة يدويًا. لا تعرض قائمة المشاركة إلا التطبيقات التي يدعمها جهازك.
لا ينشر هذا الزر منشورات أو مقاطع فيديو تلقائيًا. نزّل الصورة وشاركها مع النص والرابط أدناه.
نزّل الصورة وانسخ النص وأضفهما إلى منشور جديد على إنستغرام. يمكنك اختيار إنستغرام من قائمة المشاركة إذا كان متاحًا.
1080 × 1350 بكسل. قد لا ينتقل النص تلقائيًا؛ انسخه إلى وصف المنشور وأضف رابط الخبر إلى ملفك الشخصي أو قصتك.
يعرض واتساب العنوان بخط عريض ويفصل الفقرات. تنشئ منصة الاستقبال معاينة الرابط، ولا تُرفق الصورة تلقائيًا. لمشاركة صورة، نزّل البطاقة وانسخ النص.
الوسوم: أنقرة, التركية, الدول, الرؤية, المتخذة, المثالية, تتحول, منظمة





اترك تعليقاً